أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
141
عجائب المقدور في نوائب تيمور
وحين دخلوا عليه ، وقفوا بين يديه ، واستمروا واقفين ، وجلين خائفين ، حتى سمح بجلوسهم ، وتسكين نفوسهم ، ثم هش إليهم ، ومر ضاحكا عليهم ، وجعل يراقب أحوالهم ، ويسبر بمسبار عقله أقوالهم وأفعالهم . ولما رأى شكل ابن خلدون لشكلهم مبائنا ، قال هذا الرجل ليس من هاهنا ، فانفتح للمقال مجال ، فبسط لسانه « 1 » وسنذكر ما قال ، ثم طووا بساط الكلام ونشروا سماط الطعام ، فكوموا تلالا من اللحم السليق ، ووضعوا أمام كل ما به يليق ، فبعض تعفف عن ذلك تنزها ، وبعض تشاغل عن الأكل بالحديث ولها ، وبعض مد يده وأكل وما جبن في مصاف الالتهام ، ولا نكل ، وإلى الأكل أرشدهم ، وناداهم وأنشدهم شعرا : كلوا أكل من إن عاش أخبر أهله * وإن مات يلق الله وهو بطين وكان من جملة الآكلين ، قاضي القضاة ولي الدين ، وكل ذلك وتيمور يرمقهم ، وعينه الخزراء تسرقهم ، وكان ابن خلدون أيضا يصوب نحو تيمور الحدق ، فإذا نظر اليه أطرق ، وإذا ولى عنه رمق ، ثم نادى وقال بصوت عال : يا مولانا الأمير ، الحمد لله العلي الكبير ، لقد شرفت بحضوري ملوك الأنام ، وأحييت بتواريخي ما ماتت لهم من الأيام ، ورأيت من ملوك الغرب فلانا وفلانا ، وحضرت كذا وكذا سلطانا ، وشهدت مشارق الأرض ومغاربها ، وخالطت في كل بقعة أميرها ونائبها ، ولكن لله المنة إذ امتد بي زماني ، ومنّ الله علي بأن أحياني ، حتى رأيت من هو الملك على الحقيقة ، والمسلك بشريعة السلطنة على الطريقة ، فإن كان طعام الملوك يؤكل لدفع التلف ، فطعام مولانا الأمير يؤكل لذلك ، ولنيل الفخر والشرف ، فاهتز تيمور عجبا ، وكاد يرقص طربا ، وأقبل بوجه الخطاب إليه ، وعول في ذلك دون الكل عليه ، وسأله عن ملوك
--> ( 1 ) - وصف ابن خلدون اللقاء بتيمور في كتابه « التعريف بابن خلدون ، ورحلته غربا وشرقا - ط . القاهرة 1951 - ص 351 - 382 .